أحمد بن علي القلقشندي
134
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وقد علم مولانا أنّ للشّفاعة أحوالا ثلاثا ؛ حالا تخصّ الشافع ، وحالا تخصّ المستشفع ، وحالا تخص [ المشفوع ( 1 ) إليه ] ولكلّ حدّ يجب الانتهاء إليه ، ولا يجوز التقصير فيه ، فعلى المستشفع ارتياد أخصب جناب ، وأسكب سحاب ، وقصد الجهة الَّتي لا تصدّ عن البغية سائلا ، ولا تردّ عن الأمل آملا ، وأن ينهض بالشّكر على العارفة ، ويحدّث بالنّعم عنه في الأحوال الطارفة ، وعلى الشافع أن يهريق ( 2 ) ماء وجهه في السّؤال ، ويجرّد رغبته في تسهيل المنال ، ويعتقد أنّ ذلك من الدّين المقترض ، والدّين المفترض ، ويتكفّل بالقيام بما يستدعي منه من المكافاة ، ويلتمس من العوض والمجازاة . وعلى المشفوع إليه أن يعلم أنّ الشافع والمستشفع ما قصداه إلَّا بعد الثّقة بأحديّته ، ولا اعتمداه إلَّا بعد السّكون إلى أريحيّته ، وأنه لا ينبغي أن يخسر متجرهما ، ولا يضيع سفرهما ، وقد اجتمعت هذه الأحوال الثلاث للرئيس المشفوع إليه ، ولسيّدي الشافع ، ولخادمه المستشفع به ، ولم يبق إلَّا عزمة منه تهزّ أفنان الإقبال فتسّاقط أثمارها ، وتنشيء عوارض الآمال فيتهافت قطارها . أبو الفرج ( 3 ) الببغاء : وموصّل كتابي هذا غنيّ عن شفاعتي له بما يمتّ من حرمات الرّغبة إليك ، والوقوف دون كلّ مقصد عليك ، وبما يشفع ذلك من التقدّم في الصّناعة ، والتوصّل بوجيه الكفاية ، وإنما زوّدته هذه الأحرف لأفتح له باب الأنسة ، وأسهّل السّبل إلى التّعلَّق بالخلَّة ، وأدلّ بها على ما تكشف منه المطاولة والخيرة ، وأنت أيّدك اللَّه وليّ التطوّل بالتقدّم في إيناسه وبسطه في الخدمة بما يستزيد له محمود الأثر فيها من حسن النظر وجميل الرأي .
--> ( 1 ) في الأصل : « الشفيع » وهو غير مناسب . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) هراق الماء يهريقه ، بفتح الهاء ، هراقة ، بكسر الهاء ، وأهرقه يهريقه إهراقا ، وأهراقه يهريقه إهريقانا فهو مهريق : صبّه ، وأصله : أراقه يريقه . القاموس المحيط ( هراق ) . ( 3 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 1 ص 24 من هذا الجزء .